الحوار الوطني بين سرديات الحرب وحقائق السياسة

‍طارق نجيب باشا

عضو مؤتمر الحوار الوطني

January 26, 2026

تأتي الذكرى الثانية عشرة لإعلان وثيقة مخرجات الحوار الوطني الشامل، في وقتٍ عادت فيه مفردة (الحوار) إلى الطاولة السياسية وإلى الحياة العامة في بلدنا؛

وبالعودة إلى تجربة الحوار 2013، وما توازى معها من الأحداث، وتعاطي الأطراف السياسية والاجتماعية المؤثرة حينها مع نقاشات ومسارات الحوار، سنجد أن (الحوار) لطالما تعرّض لتشويه مفهومه الأساسي كآلية سلمية حضارية تهدف لإيجاد الحلول للقضايا السياسية وغير السياسية، بعيدًا عن منطق القوة والغلبة؛
وصل هذا التشويه حدَّه عندما بذلت أطرافٌ عدّة ذات مصلحة الكثير، لتنشئ سردية جرى بثّها بشكل ممنهج عبر قنواتهم الإعلامية وأقلامهم المؤثرة، تصبّ في مجرى إقناع السواد الأعظم بأن (الحوار) بحد ذاته، ناهيك عن آلياته ومخرجاته، هو السبب في انزلاق البلد نحو الحرب!

كما تماهى كثيرون، بقصدٍ أو بدون قصد، في تحميل مسلك الحوار أكثر مما يحتمل، وتصويره للناس وكأنه مؤسسة تنفيذية تعلو الحكومة، وجهة تشريعية بديلة للبرلمان، ومساحة للتأثير السياسي بعيدًا عن القاعدة الجماهيرية؛ وهذه الأفكار غير الدقيقة، والتي لا أساس قانونيًّا لها، أخرجت تصوّرات المجتمع عن (الحوار) من حقيقة أهدافه ومضامينه نحو تصوّرات غير دقيقة، أثبتت الأحداث اللاحقة ومرور الأيام بأنها كانت عملًا ممنهجًا خطّطت له ومولته الأطراف التي تستعد للحرب وتؤمن بالقوة، كي يزيح المجتمع أنظاره عن المسارات السلمية، فيبقى الرأي العام مؤمنًا بمنطق القوة والغلبة كلغة سياسية أساسية وحيدة لإحقاق السيطرة والنفوذ، وفاقدًا للإيمان بأي وسيلة سلمية أو ديمقراطية لحل أي إشكال في بلدنا.

لذلك، فإن هذه الحقيقة باتت اليوم جليّة، مع تتابع الأحداث وتكشف النوايا ومسالك الأطراف السياسية؛ ولو كتب أحدهم هذا أثناء انعقاد مؤتمر الحوار حينها أو بعدها، لما استطاع التدليل عليها إلا بالمنطق والتنظير السياسي؛ وللأسف، فإن هذين المفهومين كذلك قد تعرّضا، قبل الحوار الوطني بمراحل، للتشويه في العقلية الجمعية، من قبل القيادات السياسية التي كان لها مصلحة في تصوير جميع ساسة البلد مجرد لاهثين نحو مصالحهم الشخصية، وتصوير جميع المنظّرين كمتفلسفين – وفقًا لما تحمله الكلمة من معنى سلبي في الأذهان المحلية، وليس الإيجابي وفقًا للتعريف الأكاديمي.

ورغم كل ذلك، والتشويه الممنهج الذي واكب حوار 2013، وفقدان كثيرين ممّن لا حول لهم ولا قوة إيمانهم اليقيني بسلمية وديمقراطية المسالك المرجوّة في بلدنا، إلا أن مرور 12 عامًا على إعلان وثيقة الحوار في 25 يناير 2014، وتواكبها هذا العام مع الاستعدادات للحوار الجنوبي–الجنوبي، وعودة الزخم لمفهوم الحوار، يشكّل دليلًا دامغًا على أن الاستقواء بالمال والسلاح والغلبة السكانية، مهما أكسب طرفًا ما السلطة والنفوذ، لا يشكّل ترياقًا لديمومة الاستحقاقات المتخيّلة والمكاسب الوطنية المحصورة والشخصية البحتة؛ فبعد حوار 2013، الذي توافق على مخرجاته جميع الأطراف المشاركة حينها، كان اتفاق السلم والشراكة الذي فُرض بالقوة؛ فأين هذا الاتفاق اليوم؟ وغيرها من الاتفاقات اللاحقة التي فُرضت بالقوة كذلك؟ فأين هي اليوم؟

بينما ما تزال وثيقة مخرجات الحوار الوطني الشامل مرجعية قانونية أساسية تحكم المرحلة إلى اليوم، رغم تبدّل الشخوص والأوجه والقادة،

بل وحتى بعد انتهاء هذه المرحلة والدخول في مرحلة انتقالية جديدة تُعنى بكتابة الدستور والقوانين لوجه الجمهورية الجديدة، سيكون لما كُتب داخل وثيقة مخرجات الحوار مكانة أساسية، سواء بشكلها الحالي أو بإعادة صياغتها، وستبقى وثيقة 2013 راسخة في الذاكرة الوطنية، ليس لما تحمله سطورها من بنود فحسب، بل لكونها نتاج عملية (حوار) سلمية تتسق مع المسارات الديمقراطية لنظامنا الجمهوري المنشود؛ إذ لا يوجد في بنودها ما يفرض التنكّر لها، ولكون الحوار مسلكًا حضاريًا لا يفرض ولا يصادر رأيًا ولا يتجاهل مسألة.

وعليه، فإن أهم ما على النخبة والفاعلين القيام به تواكبًا مع هذه الذكرى هو إنصاف (حوار 2013) كتجربة سياسية يمنية متفردة في المسار والآلية والمخرجات، مكّنت اليمنيين من إيجاد مرجعية وطنية ها هي اليوم تلمّ شتاتهم رغم سنوات الحرب الطويلة؛ مرجعية وحيدة إن لم توجد في حينها لكانت نضالات اليمنيين تستند فقط إلى مرجعيات قانونية خارجية.
ففي الإنصاف المبني على التحليل المنهجي واللغة الرصينة المترفعة عن إرث المهاترات السياسية، مسارٌ يمكّن الجميع من الاستفادة من دروس تلك المرحلة، وعكس الإيجابي منها فيما سيأتي من تجارب الحوار والتفاهمات السياسية القادمة.

وثيقة
مخرجات الحوار الوطني

تحميل الوثيقة ←

مسودة
دستور اليمن الجديد

تحميل مسودة الدستور ←