في الذكرى الثانية عشرة لإعلان مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، يعود اليمن إلى لحظة وعي وطني استثنائية، لحظة انفتحت فيها إمكانية تاريخية لإعادة تعريف الدولة ومعنى السلطة وحدودها، وإعادة بناء العلاقة بين المجتمع والنظام السياسي على أسس الشراكة والعدالة والمؤسسية.
كانت تلك اللحظة تعبيراً مكثفاً عن إرادة جماعية سعت إلى تجاوز إرث الاستبداد والفساد، وصياغة أفق وطني جديد تتراجع فيه هيمنة القوة لصالح منطق الدولة، وتعلو فيه قيمة التوافق بوصفه شرطاً للاستقرار، لا تنازلاً عنه.
وتُقرأ هذه الذكرى اليوم بوصفها لحظة كاشفة، تُظهر المسافة العميقة بين أفق وطني كان قابلاً للتحقق، وواقع مأزوم تشكّل تحت وطأة الانقلاب، وتناسل المشاريع الضيقة، واستهداف الإرادة الوطنية التي التقت، على فكرة الدولة الجامعة.
جاء انعقاد مؤتمر الحوار الوطني الشامل نتيجة مسار تاريخي مثقل بالاختلالات البنيوية التي تراكمت داخل بنية الدولة اليمنية عبر عقود، حتى تحولت الأزمة من عارض سياسي إلى حالة بنيوية مزمنة. فمنذ ما بعد قيام الوحدة، أخذت الدولة تتشكل بوصفها سلطة أكثر منها إطاراً جامعاً، حتى غدت الهياكل قائمة بلا روح، والقوانين بلا أثر، والإدارة العامة امتداداً لعلاقات الولاء لا لمعايير الكفاءة، وتعمقت الفجوة بين المجتمع والنظام السياسي، وتهيئة الأرضية لانفجارات لاحقة.
وفي هذا السياق، برزت حروب صعدة المتعاقبة كمعضلة محلية تمت تغذيتها للتحول لاحقاً إلى أزمة على نطاق وطني شامل. وهكذا، جرى تأجيل الانفجار لا تفاديه، وتدوير العنف لا إنهاؤه، بما أفضى في النهاية إلى انهيار معادلة الاستقرار الهش.
وفي الجنوب، اتخذت الأزمة شكلاً أكثر تعقيداً وعمقاً. فقد تراكمت حالة الوعي الجمعي بالغبن ليندلع الحراك الجنوبي السلمي عام 2007، للمطالبة بمعالجة المظالم التي لم تعالج بل تفاقمت وبات الانفجار الشعبي احتمالاً مرجحاً لا استثناءً.
وفي العام 2011 خرجت الجماهير المحتجة على أداء النظام والتي عبرت عن رغبة عميقة في إصلاح الدولة ومعالجة الاختلالات، وإعادة تعريف السلطة بوصفها وظيفة عامة لا امتيازاً خاصاً. حمل اليمنيون، وفي مقدمتهم الشباب، تصوراً واضحاً لدولة مدنية حديثة، تتأسس على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والعدالة في توزيع السلطة والثروة. غير أن تعقيد اللحظة، وثقل الإرث السياسي، ومخاطر الانزلاق إلى العنف الشامل، فرضت مقاربة انتقالية تمثلت في المبادرة الخليجية، التي جاءت كإطار سياسي لتفكيك الأزمة عبر التوافق لا الصدام.
ضمن هذا المسار، انعقد مؤتمر الحوار الوطني الشامل بوصفه التجربة السياسية الأكثر شمولاً في تاريخ اليمن الحديث، ومختبراً وطنياً لإعادة بناء الثقة بين المكونات المختلفة. لم يكن المؤتمر مجرد مساحة تفاوض بين القوى السياسية، بل فضاءً وطنياً واسعاً انفتحت فيه السياسة على المجتمع، وتقدمت فيه فكرة الشراكة على حساب منطق الغلبة. التقت أطراف متباينة، سياسياً واجتماعياً وثقافياً، على طاولة واحدة، في محاولة نادرة لصياغة إجابة جماعية عن سؤال الدولة.
وقد اكتسب المؤتمر خصوصيته من بنيته التنظيمية الدقيقة، ومن المبادئ الناظمة التي حكمت عمله، وجعلت التوافق قاعدة أساسية في اتخاذ القرار، ورفعت سقف المشاركة، وقيّدت نزعات الهيمنة والاستفراد. شكّلت آليات الإجماع المرتفع تعبيراً عن إدراك عميق بأن الدولة القادمة لا يمكن أن تُبنى بأغلبية عابرة، بل بإرادة وطنية واسعة، قادرة على استيعاب الاختلاف وتحويله إلى قوة سياسية منتجة.
وللمرة الأولى، خرج الحوار من النخبة إلى المشاركة مع المجتمع، عبر مشاركات واسعة، ونقاشات عامة، ونزولات ميدانية، وإسهامات خبراء، ما منح العملية بعداً مجتمعياً غير مسبوق. لم تكن المخرجات نتاج غرف مغلقة، بل حصيلة تفاعل واسع مع الواقع، وقراءة معمقة لجذور الأزمات التاريخية. ولهذا، جاءت وثيقة مخرجات الحوار بوصفها مشروعاً متكاملاً لإعادة تأسيس الدولة، لا مجرد حزمة إصلاحات جزئية.
أسست مخرجات الحوار الوطني لرؤية شاملة لدولة مدنية حديثة، تعالج تركة الماضي، وتعيد الاعتبار للمظالم، وتضع أسس شراكة وطنية عادلة، وتفتح أفقاً لمستقبل يقوم على الحكم الرشيد، وبناء مؤسسات أمنية وعسكرية وطنية، وضمان الحقوق والحريات، وتحقيق العدالة الانتقالية. وقد شكّلت المبادئ والموجهات الدستورية التي تجاوزت الألف وثمانمائة بند خارطة طريق واضحة لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.
شكّلت القضية الجنوبية أحد أعقد التحديات في المشهد اليمني، إذ تعود جذورها إلى مظالم تراكمت عقب حرب صيف 1994 وما أعقبها من سياسات مركزية أفضت، من وجهة نظر واسعة في الجنوب، إلى التهميش والإقصاء السياسي والعسكري، والتحكم بالثروات، والاستيلاء على الأراضي. وقد أدى ذلك إلى انتقال الحراك الجنوبي السلمي منذ 2007 إلى قضية سياسية وطنية ملحّة، تصدّرت مسار الحلول الشاملة، حيث خُصص لها قضية رئيسية من قضايا المؤتمر التسع، الذي أفضت مخرجاته إلى إطار توافقي متقدم يقوم على معالجة مظالم الماضي وبناء دولة اتحادية ديمقراطية قائمة على المواطنة المتساوية، بما يضمن شراكة عادلة في السلطة والثروة، ويقدّم رؤية دستورية جديدة لمستقبل العلاقة بين مكونات الدولة اليمنية.
وجاءت مسودة الدستور بوصفها ترجمة دستورية للمخرجات، حيث أعادت تعريف شكل الدولة، ونظمت العلاقة بين المركز والأقاليم، وأقرت توزيعاً عادلاً للسلطة والثروة، وكرّست الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وضمان الحقوق والحريات. مثّلت المسودة لحظة تأسيسية في مسار الانتقال من دولة مركزية متغولة إلى دولة اتحادية عادلة، تستمد شرعيتها من مواطنيها لا من أدوات القهر.
غير أن هذا المسار لم يُتح له أن ينفذ بعد. فقد جاء انقلاب 21 سبتمبر 2014 كفعل مضاد للتاريخ، استهدف جوهر مشروع الدولة، وعطّل الاستحقاقات الدستورية، وأعاد إنتاج أنماط الحكم القائمة على القوة والعصبية، متحالفاً مع بقايا منظومة الإمامة التي رأت في مشروع الدولة الاتحادية تهديداً مباشراً لمصالحها المتجذرة. لذلك؛ لم يكن الانقلاب مجرد استيلاء على السلطة، بل هجوماً شاملاً على فكرة الدولة ذاتها.
وخلال أكثر من عقد من الحرب والصراع، ترسّخت حقيقة سياسية لا تقبل التأويل، مفادها أن تعطيل مخرجات الحوار الوطني شكّل المدخل الأوسع لتفكك الدولة، وفتح المجال أمام صعود المليشيات، وتكاثر المشاريع الضيقة، وتعميق الانقسامات الاجتماعية والجغرافية. وأثبت ذلك أن الفراغ السياسي لا يبقى محايداً، بل يُملأ بقوى الأمر الواقع. ولم تكن هذه القوى تعبيراً عن بدائل وطنية، بل نتيجة حتمية لغياب الدولة، وإحدى أكثر الصور فجاجة لانهيار العقد الاجتماعي، حين تُفرغ السلطة من مشروعها العام، وتُعاد صياغتها كأداة للسيطرة، وتُنتزع الشرعية من سياقها الوطني، لتنكسر فكرة السلطة بوصفها شأناً عاماً، وتُختزل في ميزان القوة، وتُدار البلاد خارج منطق الدولة.
واليوم، وبعد سنوات من النزف الإنساني والسياسي، تعود مخرجات الحوار الوطني إلى الواجهة كمرجعية محورية لأي مسار سلام جاد، بوصفها الإطار الوطني الأكثر شمولاً لمعالجة جذور الصراع، وإعادة بناء الدولة على أسس التوافق والشراكة، واستئناف مسار وطني انقطع بالقوة، واستعادة لحظة وعي تاريخي لم تُستنفد دلالاتها بعد، لتظل وثيقة حيّة توجه الحاضر وتؤسس المستقبل.
ومع بوادر استعادة الدولة لقرارها السيادي، تقف مخرجات الحوار الوطني في ذكراها الثانية عشرة بوصفها وثيقة حيّة، ازدادت راهنيتها مع امتداد أمد الحرب وتعاظم كلفة غياب الدولة. ويتطلب تحقيق ذلك إرادة سياسية جادة، ودعماً محلياً وإقليمياً واسعاً لاستعادة هيبة الدولة وسلطتها، وترسيخ المصلحة الوطنية العليا فوق كل اعتبار. وفي هذا السياق، تبرز هذه المخرجات طوق نجاة وبوصلة عبور من زمن الصراع إلى أفق الدولة المدنية الحديثة التي حلم بها اليمنيون ودفعوا ثمناً باهظاً في سبيلها.
.............
منقول عن موقع الثورة نت