مخرجات الحوار.. طوق النجاة المؤجَّل

‍يحيى الضبيبي

كاتب صحفي

January 26, 2026

لا يمكن مقاربة مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل خارج سؤال الدولة، بوصفه سؤالًا فلسفيًا قبل أن يكون سياسيًا، ولا خارج إشكالية العقد الاجتماعي في سياق لم يكتمل فيه الانتقال من مجتمع القوة إلى مجتمع القانون. فاليمن، منذ تشكّله الجمهوري الحديث، لم يعرف الدولة باعتبارها كيانًا محايدًا يحتكر العنف المشروع ويعيد إنتاج الشرعية عبر القانون، بل عرف السلطة بوصفها امتدادًا منظمًا للعنف، ومحصلة مؤقتة لتوازنات الغلبة.

وفي مواجهة هذا الفراغ المؤسسي، شهد اليمن محاولة نادرة لإعادة إنتاج الدولة من داخلها، عبر تأسيس عقد اجتماعي جديد يؤطر العلاقة بين السلطة والمجتمع، ويعيد الاعتبار للمواطنة والحق في التمثيل، من خلال مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، التي نحتفل اليوم بذكرى إعلانها الثانية عشرة. وجاءت هذه المخرجات بعد أن استُنفدت كل صيغ الحكم القائمة على الغلبة، وتآكلت شرعيات السلطة المتعاقبة بفعل العنف والفساد، وانهيار المعنى الأخلاقي لمؤسسات الدولة التي تحوّلت على مدى عقود من أداة لخدمة المجتمع إلى عبءٍ عليه، ومن إطار جامع للمواطنة إلى ساحة صراع مفتوح بين مراكز النفوذ.

في جوهرها، مثلت المخرجات انتقالًا مفاهيميًا عميقًا من الدولة بوصفها أداة سيطرة، إلى الدولة بوصفها عقدًا اجتماعيًا؛ ومن السياسة باعتبارها إدارة صراع صفري، إلى السياسة بوصفها إدارة تنوع ضمن إطار وطني جامع. وفي بعدها الفلسفي، مثلت هذه المخرجات محاولة واعية لإعادة تأسيس العقد الاجتماعي اليمني، لا مجرد ترميم لنظام حكم مأزوم، لاستعادة الدولة كإطار يضمن الحقوق ويضبط السلطة، ويحول الانتماء إليها من علاقة فرضية إلى التزام متبادل.

 

منذ ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، ظل المجال السياسي اليمني محكومًا بثنائية غير محسومة بين مشروع الدولة ومشاريع العصبية، وبين منطق الشرعية الدستورية ومنطق القوة المسلحة. وظل المسار السياسي أسير معادلة مختلة، قوامها غياب الدولة الجامعة، وتغوّل مراكز النفوذ العسكرية والقبلية، وتحويل السياسة إلى ساحة صراع صفري تُدار بالتوازنات القسرية لا بالتوافقات الوطنية.

ولم تتحول اليمن إلى دولة بالمعنى الحديث، أي إلى بنية قانونية تنتج الشرعية عبر التمثيل والمواطنة، بل جرى اختزالها تدريجيًا إلى شبكة مصالح، ثم إلى غطاء شكلي لسلطات موازية، دون أن تبلغ لحظة الدولة المكتملة. فقد أُزيحت الشرعية الإمامية، لكن السيطرة جرى توزيعها بين مراكز نفوذ متنافسة، ما أبقى المجتمع في منطقة رمادية بين الدولة واللادولة. والجمهورية، هنا، لم تتحول إلى عقد اجتماعي جامع، بل إلى إطار رمزي فوق بنية ما قبل تعاقدية، وهو ما يفسّر هشاشتها البنيوية واستدامة العنف السياسي داخلها.

وفي هذا السياق، جاءت الحوارات السياسية المتعاقبة بوصفها تسويات اضطرارية بين حَمَلة القوة، لا تعبيرًا عن إرادة عامة بالمعنى الذي صاغه «روسو». إذ لم تكن هذه الحوارات معنية بتأسيس «الإرادة العامة»، بل بإدارة التوازن بين إرادات خاصة مسلحة. ولذلك، ظلت الدولة غائبة بوصفها مرجعية عليا، وحاضرة فقط بوصفها غنيمة أو أداة.

كما أن الحوارات التي تعاقبت في التاريخ السياسي اليمني لم تكن تعبيرًا عن نضج الدولة بقدر ما كانت انعكاسًا لعجزها البنيوي عن احتواء التناقضات الاجتماعية والسياسية، وهو ما جعل التسويات هشة ومؤقتة، سرعان ما تنهار عند أول اختبار جدي لموازين القوة، لتدخل الدولة في حالة «انتقال دائم» بلا أفق تأسيسي مستقر.

وقد تفاقمت هذه الأزمة البنيوية في العقود الأخيرة، حين فقدت الدولة قدرتها على تمثيل المجال العام، وتحولت السياسة إلى ممارسة مغلقة داخل دائرة ضيقة من النخب المتحالفة مع القوة والسلاح، وتماهت السلطة مع شبكات مصالح ضيقة، وتراجعت السياسة إلى مجرد أداة لإدارة الولاءات، في اختلالٍ ساهمت في تكريسه السلطة والمعارضة على السواء، واستندت إليه مراكز نفوذ توزّعت ولاءاتها بين الجانبين، فأعادت إنتاج الأزمة بدل السعي إلى تفكيكها. وبذلك تعطلت الوظيفة الضامنة للدستور، وانقطعت الصلة بين الدولة والمجتمع.

وهنا لم يعد المجتمع يرى في الدولة ضامنًا للحقوق، ولا في القانون مرجعية عليا، بل أداة انتقائية لإعادة إنتاج السيطرة. وبلغ الانفصال بين الدولة والمجتمع ذروته، وأصبحت الجمهورية بلا مضمون جمهوري.

وحين انفصلت السلطة تمامًا عن فكرة التمثيل، لم يعد المواطن طرفًا في عقد، بل موضوعًا للضبط، ولم يعد القانون تعبيرًا عن الإرادة العامة، بل أداة انتقائية في يد السلطة. بهذا المعنى، كانت الأزمة اليمنية أزمة عقد اجتماعي منقوص، لا أزمة حكم فحسب، ما جعل الانفجار الشعبي تعبيرًا عن قطيعة تاريخية لا عن احتجاج عابر.

ونتيجة لذلك، جاءت الاحتجاجات الشعبية لتعيد طرح السؤال المؤجل حول طبيعة الدولة الممكنة في اليمن، بوصفه لحظة كسر رمزي لهذا الانفصال بين الدولة والمجتمع، أعادت طرح سؤال السيادة الشعبية، وأخرجت السياسة من احتكار النخب المغلقة إلى المجال العام. غير أن الانتقال من لحظة الاحتجاج إلى لحظة التأسيس، بما حملته من وعي، اصطدم بواقع موازين القوة، وبإرث ثقيل من العسكرة والتشظي. ومن هنا جاءت المبادرة الخليجية كتسوية اضطرارية لاحتواء الانهيار، وهي، على الرغم من معارضة بعض الكيانات لها، فتحت المجال أمام محاولة تأسيسية عميقة ومسار تفاوضي جاد، بلغت ذروته بانعقاد مؤتمر الحوار الوطني الشامل، الذي جرى التحضير له على قاعدة شراكة واسعة شملت فئات ظلت مهمشة لعقود، ضمن إطار مبادئ ناظمة قامت على التوافق، وعدم الإقصاء، والاعتراف بالمظالم لا إنكارها، والانتقال من منطق «المنتصر والمهزوم» إلى منطق الشراكة الوطنية. وهو ما جعل الحوار محاولة جادة لإعادة بناء الشرعية من القاعدة الاجتماعية، وتفكيك البنية العميقة للأزمة اليمنية، وليس الاكتفاء بإعادة توزيع السلطة داخلها.

وقد قُسّم المؤتمر إلى فرق عمل تناولت القضايا الأكثر تعقيدًا في التاريخ اليمني، وفي مقدمتها القضية الجنوبية، وقضية صعدة، وبناء الدولة، والحقوق والحريات، والعدالة الانتقالية، وغيرها، وهي ملفات لم تُطرح سابقًا بهذا القدر من الصراحة والعمق. كما رافق أعماله تفاعل مجتمعي واسع، عبر جلسات استماع ومساهمات مكتوبة، منح مخرجاته قدرًا عاليًا من الشرعية السياسية والمجتمعية.

ويُعد مؤتمر الحوار الوطني أول محاولة يمنية جادة لإعادة بناء الشرعية من الأسفل لا من الأعلى. فبدل افتراض الدولة كمعطى جاهز، تعامل معها بوصفها إشكالية مفتوحة، تتطلب اعترافًا متبادلًا بين مكونات المجتمع، وتسوية تاريخية مع الماضي، وإعادة توزيع عادلة للسلطة والثروة، بما يحوّل الانتماء للدولة من علاقة قسرية إلى علاقة تعاقدية. لذلك، كان الحوار في عمقه فعلًا تأسيسيًا أكثر منه إجراءً سياسيًا.

وتميّز مؤتمر الحوار الوطني بمحاولة إعادة تعريف الدولة بوصفها نتاج توافق لا نتيجة غلبة، وأعاد الاعتبار، ولو نظريًا، لمفهوم «الرضا» الذي يشكّل جوهر العقد الاجتماعي عند «جون لوك»، عبر توسيع دائرة التمثيل، والاعتراف بالمظالم، والانتقال من منطق الأمن إلى منطق الحقوق، وبناء الدولة بوصفها إطارًا تعاقديًا لا سلطة مفروضة.

وجاءت مخرجات المؤتمر، ترجمة عملية لهذا التحول، من خلال إعادة هندسة العلاقة بين المركز والأطراف، وبين الدولة والمجتمع، على أساس توزيع عادل للسلطة والثروة، وضمانات دستورية تحول دون إعادة إنتاج الاستبداد. كما مثّلت معالجة القضايا الوطنية الكبرى انتقالًا من إدارة الأزمة إلى تفكيك أسبابها التاريخية، وانتقل فيها الخطاب السياسي من منطق الإنكار إلى منطق المساءلة والإنصاف، وسعت إلى تحصين الدولة من النزعات الشمولية، عبر فصل حقيقي للسلطات، وبناء منظومة حقوق وحريات، وتجريم الاستحواذ على السلطة بالقوة، والسعي إلى إخضاع السلطة لقواعد عامة مجردة، وفق المعنى «الفيبري» للدولة القانونية–العقلانية.

غير أن هذا التحول العميق، في ذاته، كشف حدود قبول مراكز النفوذ التقليدية بأي مشروع مدني دستوري يهدد احتكارها التاريخي للقوة والموارد خارج إطار الدولة. وهنا، تحوّل الصراع من خلاف سياسي قابل للتسوية، إلى صراع وجودي بين مشروع الدولة ومشاريع ما قبل الدولة، أُعيد خلاله إنتاج الواقع السياسي في صورته «الهوبزية» الخام، حيث تُختزل الشرعية في القدرة على الإكراه، ويُستبعد القانون بوصفه قيدًا على القوة.

وقد كشف تعطيل مشروع الدولة عن فراغ مؤسس، إذ تآكل الفاصل بين السلطة والمصلحة، وانحسر المجال العام لصالح قوى مسلّحة أعادت تعريف السياسة باعتبارها صراع هوّيات لا إطارًا مدنيًا. ولم تتصارع هذه الهويات فيما بينها بقدر ما اشتركت في نفي فكرة الدولة بوصفها فضاءً جامعًا للإرادة العامة. وهكذا، لم تبرز الكيانات الجزئية كبدائل ممكنة، بل كأعراض لفراغ الدولة، عجزت الترتيبات الأمنية وحدها عن سدّه في غياب عقد اجتماعي ملزم.

وفي هذا الإطار، لا يمثل التذكير بمخرجات الحوار الوطني عودةً إلى مسار ماضٍ منقطع، بل استدعاءً لعقل الدولة بوصفه أداة لمواجهة فوضى القوة. فهذه المخرجات، وإن لم تكن نصًا نهائيًا أو مقدسًا، تشكل الإطار السياسي المتماسك الذي صاغ فيه اليمنيون سؤال الدولة بوصفه مسألة أخلاقية وسياسية متكاملة، وهو ما يحفز على اعتماد نهج الحوار الشامل الذي لا يستثني أحدًا، شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، كخيار عقلاني أخير لإنقاذ اليمن من الانهيار، والانطلاق من هذه المخرجات مع استيعاب التحولات التي فرضتها المرحلة دون التفريط بأسس الدولة.

فالتاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يفتح أمام الشعوب نوافذ محدودة للتغيير، ومخرجات الحوار الوطني كانت، ولا تزال، واحدة من أندر تلك النوافذ، وفرصة لإعادة تأسيس الدولة على أسس العقد الاجتماعي والمرجعية المشتركة.

.............

نقلا عن الوحدوي نت

وثيقة
مخرجات الحوار الوطني

تحميل الوثيقة ←

مسودة
دستور اليمن الجديد

تحميل مسودة الدستور ←